Logo

Love your body because you only have one.


Icon

Email

info@drfirashusban.com


اليوم العالمي للعمود الفقري: صحتك تبدأ من عمودك الفقري

اليوم العالمي للعمود الفقري: صحتك تبدأ من عمودك الفقري

بقلم الدكتور فراس الحسبان

16 أكتوبر 2026 | World Spine Day

يُعد العمود الفقري أحد أهم الركائز الأساسية لصحة الإنسان، فهو ليس مجرد مجموعة من الفقرات التي تدعم الجسم وتحافظ على توازنه، بل منظومة متكاملة تؤدي دورًا محوريًا في الحركة والمرونة وحماية الحبل الشوكي والأعصاب، مما يجعله عنصرًا أساسيًا في قدرتنا على ممارسة حياتنا اليومية بصورة طبيعية.

وفي السادس عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للعمود الفقري (World Spine Day)، وهي مناسبة عالمية تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية صحة العمود الفقري، وتسليط الضوء على المشكلات الصحية المرتبطة به، والتأكيد على أهمية الوقاية والتشخيص المبكر والعلاج المناسب.

وفي ظل أنماط الحياة الحديثة، التي أصبحت تتسم بقلة الحركة والجلوس لفترات طويلة، تزداد أهمية هذه المناسبة لتذكيرنا بأن الاهتمام بصحة العمود الفقري ليس رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على جودة الحياة.

آلام العمود الفقري: تحدٍ صحي عالمي

تُعتبر آلام أسفل الظهر من أكثر المشكلات الصحية انتشارًا حول العالم، كما تُعد أحد الأسباب الرئيسية للإعاقة وتأثر القدرة على العمل وممارسة الأنشطة اليومية.

ولم تعد هذه المشكلات مقتصرة على كبار السن، بل أصبحت شائعة بين مختلف الفئات العمرية، بما فيها الشباب، نتيجة عوامل متعددة تشمل قلة النشاط البدني، والجلوس المطول، وضعف اللياقة العضلية، وبعض التغيرات المرتبطة بالعمر.

وقد تبدأ الأعراض بألم بسيط في الرقبة أو أسفل الظهر، لكنها قد تتطور في بعض الحالات لتؤثر في الحركة والنوم والقدرة على أداء المهام اليومية.

ومن المهم إدراك أن آلام الظهر ليست مرضًا واحدًا، بل عرضًا قد ينتج عن أسباب مختلفة، تتراوح بين الإجهاد العضلي البسيط والمشكلات التي تصيب الأقراص الغضروفية أو الأعصاب أو الفقرات.

ولذلك، فإن التشخيص الدقيق يمثل الخطوة الأولى لاختيار العلاج المناسب.

أبرز المشكلات التي تصيب العمود الفقري

تتنوع أمراض العمود الفقري من حيث طبيعتها وأسبابها وتأثيرها في المريض، ومن أبرزها:

1. الانزلاق الغضروفي (Disc Herniation)

يحدث الانزلاق الغضروفي عندما يبرز جزء من القرص الموجود بين الفقرات، وقد يؤدي ذلك إلى تهيج أو ضغط على الجذور العصبية المجاورة.

وقد يعاني المريض من ألم يمتد إلى الذراع أو الساق، مصحوبًا أحيانًا بالتنميل أو ضعف العضلات.

ولا تتطلب جميع حالات الانزلاق الغضروفي تدخلًا جراحيًا، إذ يمكن علاج نسبة كبيرة منها بالوسائل التحفظية، وفقًا لطبيعة الأعراض والحالة السريرية.

2. تضيق القناة الشوكية (Spinal Stenosis)

يحدث نتيجة تضيق المساحات التي تمر عبرها الأعصاب داخل العمود الفقري، وقد يؤدي إلى الألم أو التنميل أو الضعف، خاصة أثناء الوقوف أو المشي.

ويُلاحظ بصورة أكبر لدى كبار السن نتيجة التغيرات التنكسية التي تصيب الفقرات والمفاصل والأربطة.

3. تشوهات العمود الفقري (Spinal Deformities)

تشمل هذه الحالات الجنف (Scoliosis)، وزيادة التحدب (Kyphosis)، وغيرها من اضطرابات المحاذاة الطبيعية للعمود الفقري.

وقد تكون هذه التشوهات بسيطة ولا تحتاج سوى إلى المتابعة، بينما تتطلب الحالات الأكثر تقدمًا تقييمًا متخصصًا لتحديد مدى تأثيرها في توازن الجسم ووظائفه، واختيار العلاج المناسب.

4. التغيرات التنكسية للفقرات

مع التقدم في العمر، قد تحدث تغيرات في الأقراص الغضروفية والمفاصل الفقرية، وقد تكون مصحوبة بألم أو تيبس أو محدودية في الحركة.

ومع ذلك، فإن وجود تغيرات تنكسية في الصور الشعاعية لا يعني بالضرورة وجود مرض يستدعي التدخل، إذ يجب دائمًا ربط النتائج بالأعراض والفحص السريري.

متى تستدعي آلام الظهر مراجعة الطبيب؟

على الرغم من أن معظم آلام الظهر تتحسن دون الحاجة إلى تدخلات معقدة، فإن بعض الأعراض تستدعي اهتمامًا طبيًا خاصًا.

ومن أبرز العلامات التحذيرية:

  • ضعف جديد أو متزايد في عضلات الأطراف.
  • فقدان السيطرة على البول أو البراز، أو صعوبة جديدة في التبول مع أعراض عصبية.
  • فقدان الإحساس في المنطقة المحيطة بالأعضاء التناسلية.
  • ألم شديد بعد التعرض لحادث أو إصابة.
  • آلام الظهر المصحوبة بحمى أو أعراض عامة غير مفسرة.

وتستدعي هذه العلامات تقييمًا طبيًا عاجلًا، بينما يحتاج الألم المستمر أو المتكرر، أو الذي يؤثر في الأنشطة اليومية، إلى مراجعة طبية لتحديد أسبابه.

إن تجاهل الأعراض التحذيرية أو الاعتماد المستمر على المسكنات دون تشخيص قد يؤدي إلى تأخير اكتشاف بعض الحالات التي تحتاج إلى علاج متخصص.

هل الجراحة هي الحل لكل مشكلات العمود الفقري؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا الاعتقاد بأن وجود انزلاق غضروفي أو تغيرات في صور الرنين المغناطيسي يعني ضرورة إجراء عملية جراحية.

والحقيقة أن معظم حالات آلام أسفل الظهر لا تحتاج إلى الجراحة.

وتختلف الخيارات العلاجية بحسب التشخيص، وقد تشمل العلاج الدوائي، والعلاج الطبيعي، والتمارين العلاجية، وتعديل الأنشطة اليومية، إلى جانب بعض الإجراءات الطبية الأخرى عند الحاجة.

أما التدخل الجراحي، فيُدرس عندما توجد مؤشرات واضحة، مثل الضغط العصبي المصحوب بضعف متفاقم، أو بعض الحالات التي تستمر فيها الأعراض المؤثرة في حياة المريض رغم العلاج المناسب.

ومع تطور تقنيات جراحة العمود الفقري، أصبحت هناك خيارات جراحية متعددة، بما فيها بعض التقنيات محدودة التداخل، إلا أن اختيار التقنية يعتمد على طبيعة الحالة وليس على حداثة الإجراء وحدها.

فالهدف الأساسي من العلاج هو تخفيف الألم، والمحافظة على الوظيفة العصبية، وتحسين الحركة، ومساعدة المريض على استعادة جودة حياته.

كيف نحافظ على صحة العمود الفقري؟

إن الوقاية تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي نمارسها يوميًا، ومن أهمها:

  • الحفاظ على النشاط البدني: يساعد المشي وممارسة التمارين المناسبة بانتظام على تحسين اللياقة البدنية وتقوية العضلات الداعمة للعمود الفقري.
  • تجنب الجلوس لفترات طويلة: يُنصح بتغيير وضعية الجسم بصورة منتظمة وأخذ فترات قصيرة للحركة، خاصة خلال ساعات العمل المكتبي.
  • تقوية عضلات الظهر والبطن: تلعب عضلات الجذع دورًا مهمًا في دعم العمود الفقري وتحسين استقرار الجسم أثناء الحركة.
  • رفع الأجسام بطريقة آمنة: يُفضل تقريب الأجسام المحمولة من الجسم، وتجنب الحركات المفاجئة والالتواء أثناء حمل الأوزان الثقيلة.
  • الاهتمام ببيئة العمل: يساعد ضبط ارتفاع الشاشة والكرسي وتوفير وضعيات مريحة على تقليل الإجهاد العضلي.
  • الابتعاد عن التدخين: يرتبط التدخين بزيادة احتمالية الإصابة بآلام الظهر، وقد يؤثر سلبًا في صحة الأنسجة والتعافي.

ومن الضروري التأكيد أن صحة العمود الفقري لا تعتمد على الالتزام بوضعية جلوس واحدة طوال الوقت، بل على الحركة المنتظمة، واللياقة البدنية، وتجنب الثبات المطول.

التشخيص المبكر والعلاج المناسب يصنعان الفرق

شهد مجال طب وجراحة العمود الفقري تطورًا ملحوظًا في وسائل التشخيص والعلاج، مما أتاح خيارات متنوعة للتعامل مع الحالات المختلفة.

ومع ذلك، يبقى التقييم السريري الدقيق حجر الأساس في اتخاذ القرار الطبي.

فليست كل آلام الظهر بحاجة إلى تصوير بالرنين المغناطيسي، كما أن نتائج الصور وحدها لا تكفي لتحديد العلاج.

ويعتمد التقييم الصحيح على التاريخ المرضي، والفحص السريري والعصبي، والفحوصات الإضافية عند وجود حاجة طبية لها.

إن اختيار العلاج المناسب لكل مريض، بناءً على حالته واحتياجاته، يساهم في تجنب الإجراءات غير الضرورية وتحقيق أفضل النتائج الممكنة.

رسالة في اليوم العالمي للعمود الفقري

في اليوم العالمي للعمود الفقري، لا تقتصر رسالتنا على التوعية بأمراض الظهر والرقبة وطرق علاجها، بل تمتد إلى تعزيز ثقافة الاهتمام بالجسم، والإنصات إلى إشاراته، والمحافظة على قدرته على الحركة.

فالعمود الفقري يرافقنا في كل خطوة، ويساندنا في مختلف تفاصيل حياتنا اليومية، والاهتمام بصحته اليوم هو استثمار حقيقي في جودة حياتنا لسنوات قادمة.

إن الوقاية تبدأ بالوعي، والعلاج الصحيح يبدأ بالتشخيص الدقيق، والمحافظة على صحتنا تبدأ من إدراك قيمة أجسامنا والعناية بها.

وفي هذه المناسبة، أود أن أذكّركم برسالة أؤمن بها وأحرص دائمًا على مشاركتها معكم:

“Love your body, because you have only one.”

لأن جسدك هو رفيقك طوال الحياة، ولأن الاهتمام به ليس خيارًا مؤقتًا، بل مسؤولية مستمرة تستحق أن تمنحها الأولوية.

د. فراس الحسبان

16 أكتوبر 2026 – اليوم العالمي للعمود الفقري